لم أكن أتصور أن شهادة ۏفاة صاحب الشركة

موقع أيام نيوز

توقفت خطواتي عند الباب، وصوت أنفاسي يعلو كأنه يحمل ثقل السنين كلها. لم أدرِ ما الذي جعلني أعود إلى هنا، إلى المكان الذي شهد كفاحي وإخلاصي، ومقابل ذلك طردي وإهانتي. كنت أريد فقط أن أُعيد المال، أن أسترد نفسي من ظلمة الشعور بالذنب. وضعت الحقيبة أمامه، نظرت إليه بعينين لا تحملان سوى التعب، وقلت بصوت خاڤت: “هذا ليس مالي، إنه أمانة كنت سأخونها لو احتفظت بها”.

بدا على هيثم الارتباك الشديد، لم يتكلم أول الأمر، فقط بقي ينظر إلى الحقيبة ثم إلى الورقة التي بيده. اقتربت منه بخطوات بطيئة، وكأن قلبي يسأل: هل سيفهم أخيرًا ما معنى الأمانة التي طردني بسببها؟ رفعت نظري إلى وجهه، لأرى دمعة معلقة عند طرف عينه، لم تسقط بعد، لكنها قالت كل شيء دون كلام.

مرت لحظة صمت ثقيلة كأن الزمن توقف، ثم سألني بصوت مبحوح: “هل تعلم ما في هذه الورقة؟” أجبته بالنفي، فناولني إياها. كانت رسالة بخط والده، مؤرخة قبل عام من ۏفاته، كتب فيها: “إن حدث لي شيء، فأبلغ ابني أن أثق بفلان أكثر مما يثق بنفسه، فهو الأمانة التي لم تخنني يومًا.”
تجمدت الكلمات على لساني، وشعرت بشيء دافئ ينساب في عروقي، خليط من الألم والفخر.

لكن ما لم أكن أعلمه أن تلك اللحظة ستكون بداية فصل جديد لم أتوقعه أبدًا، فصل سيغيّر حياتي كما غيّر حياة هيثم نفسه.

هل كان هذا اللقاء نهاية خلافٍ أم بداية قدرٍ جديد؟
وهل يمكن للأمانة أن تعيد بناء ما هدمه الجحود؟

في اليوم التالي، تلقيت اتصالًا منه يطلب مني الحضور إلى الشركة مرة أخرى. دخلت بخطوات مترددة، لا أعلم ما ينتظرني. كان يقف هذه المرة أمام مكتبه لا خلفه، مد يده نحوي قائلًا بصوت خاشع: “أعتذر لك يا عم سعيد، لقد ظلمتك.” لم أتمالك نفسي، شعرت أن كل ما فيّ انهار دفعة واحدة، ليست الدموع ضعفًا، بل راحة بعد طول ۏجع.

أخبرني بعدها أنه قرأ رسالة والده عشرات المرات طوال الليل، وأنه لم ينم من شدة الندم. قال لي إنه قرر إعادة الاعتبار لكل من عمل بصدق في الشركة، وطلب مني العودة لموقعي، لا كموظف بل كمستشار عام للشؤون الإدارية. لحظتها شعرت أن الله لم يخذلني، وأن الأمانة قد تُتعب أحيانًا، لكنها لا تخذل أصحابها أبدًا.

مرت أسابيع تغير فيها كل شيء، عاد الاحترام، وعاد الإحساس بالكرامة التي كدت أفقدها. ورأيت في هيثم الشاب المتغطرس سابقًا إنسانًا جديدًا، أكثر نضجًا وعدلًا. وربما كانت رسالة أبيه، ووقوفي أمامه يومها، سببًا في إنقاذه قبل أن يُكمل طريق الغرور الذي كاد يهلكه.

اليوم، وأنا أجلس في مكتبي الصغير الذي يحمل لوحة كتب عليها “مستشار إداري”، أتذكر تلك اللحظة أمام البنك، حين كدت أبيع ضميري لأجل لقمة العيش. والآن أدرك أن الله لا يترك الصادقين وحدهم، وأن الأمانة قد تؤلم، لكنها دائمًا تُكافأ ولو بعد حين.

تم نسخ الرابط