رواية منذ أربعين عاماً وأنا ما زلتُ أتذكر حاډثة حصلت لي
لبعضها يا إبني .
قلت : يا سيدي أنا قد لا أعود لدمشق إلا بعد فترة
طويلة وأنا أعتذر لأنني لا أحب الإستدانة .
قال : أنا متأكدٌ يا إبني بأنك ستعود وتسدد لي ثمن
البضاعة ؛ وأصرَّ عليّ أن أحمل كيس البضاعة .
أخذت الحلويات وكلّي خجل من هذا الموقف .
وودعته هو وابنه وغادرت المحل؛ وبعد أن مشېت
مسافة بالسوق وإذا بإبن التاجر يناديني فتوقفت .
قال لي : لقد وجد والدي خمس ليراتك بأرض المحل
ويبدو أنها قد وقعت منك وأبي قد خصمَ منها ثمن
الحلويات وهذا الباقي تفضل .
كانت فرحتي كبيرة لأني لم أحمل ديناً في رقبتي
من ناحية؛ ولأنني سأستطيع دفع أجرة الباص للعودة
إلى السويداء دون الطلب من أحد لأنني لا أملك
غيرها .
عندها فرحت كثيرا وشكرت الولد وأرسلت معه
شكري لوالده؛ ووضعتُ باقي المبلغ في جيبي وأنا
سعيد جداً .
وصلتُ إلى بيتنا في السويداء وعندما أدخلت يدي
في الجيب الخلفي للسروال الذي كنت ألبسه تفاجأت
بأن الخمس ليرات في هذا الجيب الذي لم أبحث
فيه ؛ فقصصت على والدي ما حډث لي في دمشق
فابتسمَ وقال لي :
يا إبني تجار الشام وحلب هم تجار أباً عن جد
ويحملون كل معاني الإنسانية ؛ وعليك يا بنيّ أن تعيد
الخمس ليرات للتاجر فهي دين في رقبتك وستأخذ
معك خبز ( مُلوّح ) من خبز والدتك لتكون هدية له
وأن تدعوه لزيارتنا .
وفعلاً في الأسبوع الثاني حملت معي ( خبز والدتي
الملوّح ) وخمس ليرات الدين.
عندما رآني التاجر من پعيد رأيت على وجهه
إبتسامةً ؛ وعندما إقتربت منه قال لي : ألم أقل لكَ
بأنك ستعود !! والآن خذ معك هذا الكيلو الهريسة وسلّم لي على والدك وعلى أهل السويداء .
وبعد طول هذه الفترة الطويلة ما زال وجه ذاك التاجر وإبنه أمام عيني ؛
ولن أنساه ما حييت فقد أعطاني الكعك والبرازق والڠريبة ؛
وإنتبه أنني لا أمتلك غيرالخمس ليرات الورقية ؛ ولن يكون معي أجرة الطريق ؛
فأرسل لي مع إبنه مبلغاً يعينني على دفع أجرة الباص للوصول لمدينتي السويداء …
عبد الحميد شعبان **الشارع العربي **