طفل يتسوّل الطعام في زفاف فاخر… ثم يتعرّف على العروس بأنها أمّه المفقودة!
وحده حاضرا عاريا صادقا لا يحتاج إلى تزيين.
تحول المكان من دون أن ينتبه أحد للحظة التحول نفسها إلى مساحة نقية للغفران وللاعتراف وللبدايات التي لا تخطط لكنها حين تأتي تغير كل شيء بعدها.
بدأ الضيوف يصفقون. لم يكن تصفيقهم استجابة لإشارة من منظم الحفل ولا التزاما ببروتوكول اجتماعي. كانت أيديهم تتحرك لأن قلوبهم سبقتها. كانت العيون دامعة وبعضهم مسح دموعه على عجل وبعضهم لم يحاول أصلا إخفاء تأثره. كانت الأنفاس متقطعة وكأن القاعة كلها تتنفس شعورا واحدا.
لم يكونوا يحتفلون بزفاف فخم تلتقط له الصور.
ولم يكونوا شهودا على قصة حب تقليدية تروى لاحقا في المجالس.
كانوا يحتفلون بلقاء تأخر سنوات طويلة.
وبجرح ظل مفتوحا في الصمت حتى وجد أخيرا من يضمده.
وبطفل وجد مكانه في هذا العالم لا على الهامش ولا في الظل.
أمسك إيكتان بيد أمه بإحكام كأنه يخشى أن تسحب من حياته مرة أخرى أو أن تكون هذه اللحظة حلما قد ينتهي إذا أغمض عينيه طويلا. ثم مد يده الأخرى وأمسك بيد الرجل الذي ناداه للتو ابني. تردد لحظة كما لو كان يتحقق من واقعية الكلمة ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة خجولة لكنها صادقة ابتسامة طفل شعر للمرة الأولى أنه ينتمي.
في تلك الدائرة الصغيرة من الأيادي المتشابكة تلاشت كل الفوارق التي كانت تبدو يوما كبيرة.
لم يعد هناك أغنياء أو فقراء.
لم تعد هناك قصور تبهر ولا جسور تخيف.
ولا ماض مظلم يلاحق ولا حاضر مرتبك يقلق.
لم يبق سوى إنسان وجد أمه بعد انتظار طويل
وامرأة استعادت جزءا من روحها كان غائبا
ورجل قرر أن يكون أبا لا لأن الډم يجمعه بالطفل بل لأن القلب اختار أن يفعل ذلك دون شرط.
وفي أعماق قلب إيكتان ارتفع همس دافئ لم يسمعه أحد لكنه شعر به بوضوح لا يخطئ كأنه موجه إلى السماء مباشرة إلى ذلك المكان الذي يحفظ الوجوه الطيبة
يا دون أوسيبيو هل ترى
لقد وجدت أمي أخيرا.
ولم أعد وحيدا.
وذلك البرد الذي كان ينهشني تحت الجسر
وتلك الليالي الطويلة التي كنت أنام فيها على صوت الريح
كلها لم تذهب سدى.
لقد أوصلتني إلى هنا.