مليونير يرى صبيا يرتدي قلادة ابنته المفقوده
لم يكن توماس ميشيلز يؤمن بالصدف.
خمسة عشر عاما في عالم العقارات الفاخرة حيث تدار المليارات خلف أبواب زجاجية مصقولة علمته أن كل شيء يحدث لسبب وكل تفصيلة مهما بدت صغيرة تخفي وراءها شبكة من القرارات والنيات والمصالح.
لكن ما رآه في ذلك المساء كان شيئا لم يستطع عقله ولا خبرته ولا ثروته الهائلة أن تجد له تفسيرا.
كان المساء يميل ببطء إلى العتمة والمدينة تغتسل بضجيجها المعتاد. السيارات تصطف كخرز متشابك وأصوات الأبواق تختلط بأضواء الإشارات.
جلس توماس في المقعد الخلفي لسيارته البنتلي يتصفح على جهازه اللوحي تقريرا عن صفقة جديدة بينما كان السائق يقود بهدوء مدرب عبر الشارع الرئيسي.
ثم توقف كل شيء.
لم يكن توقفا ميكانيكيا.
كان توقفا داخليا عميقا كأن قلبه سحب فجأة من مكانه.
على الرصيف قرب إشارة المرور كان هناك طفل.
طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره.
حافي القدمين.
ثيابه متسخة ممزقة عند الأطراف.
يجلس القرفصاء فوق الإسفلت البارد محتضنا كيسا بلاستيكيا شفافا إلى صدره كأن ذلك الكيس هو الشيء الوحيد الذي يفصل بينه وبين الاڼهيار الكامل.
لم يكن هذا المشهد غريبا على المدينة.
الفقر كان جزءا من نسيجها مثل الظلال.
لكن ما جعل أنفاس توماس تنحبس وما جعل الډم ينسحب من وجهه في لحظة واحدة لم يكن الطفل نفسه.
بل ما كان يلمع حول عنقه.
قلادة.
نجمة ذهبية صغيرة خماسية الأطراف يتوسطها حجر زمرد أخضر دقيق صاف يلتقط الضوء بطريقة لا تخطئها العين.
تجمدت أصابع توماس فوق الشاشة.
ارتجف فكه.
وشعر بشيء يشبه الضړبة في صدره.
تلك القلادة
كان يعرفها.
لا لم يكن يعرفها فقط.
كان يحفظها عن ظهر قلب.
صنعت قبل سنوات طويلة في ورشة صائغ إيطالي نادر.
ثلاث قطع فقط في العالم.
واحدة كانت له.
الثانية ضاعت إلى الأبد.
والثالثة كانت حول عنق طفل جالس على الرصيف.
القطعة الثانية
كانت ملكا لابنته صوفيا.
صوفيا التي اختفت قبل خمس سنوات دون أثر.
صوفيا التي غادرت البيت في صباح عادي ولم تعد.
صوفيا التي تحولت من طفلة ذات ضحكة عالية إلى صورة معلقة على جدار غرفة مظلمة وإلى ملف سميك في أدراج الشرطة.
قال بصوت مبحوح
توقف.
ضغط السائق على المكابح بغتة.
سيدي نحن في منتصف الطريق.
لكن توماس لم يسمعه.
كان ينظر فقط
ينظر إلى تلك القلادة كأنها شق في الواقع.
فتح الباب قبل أن تتوقف السيارة تماما.
ترجل إلى الشارع غير آبه بالأبواق الغاضبة ولا بالصړاخ ولا بالفوضى التي خلفها توقف سيارة فاخرة في قلب الزحام.
ركض.
لم يكن رجلا يركض عادة.
جسده المعتاد على المكاتب والاجتماعات على الساعات الطويلة خلف الزجاج كان الآن يندفع بقوة رجل فقد السيطرة على الزمن.
حين شعر الطفل بحركته انتفض.
نهض فجأة كحيوان جريح وعيناه الزرقاوان حادتان متوجستان ثبتتا على الرجل القادم نحوه.
توقف توماس على بعد خطوات.
أنزل نفسه ببطء إلى مستوى الطفل.
رفع يديه قليلا في إشارة تهدئة.
قال محاولا أن يجعل صوته ثابتا
لا تخف لن أؤذيك.
لكن الطفل تشبث بالكيس أكثر وتراجع خطوة.
لم أسرق شيئا قالها بسرعة كأنها جملة محفوظة. إنها لي.
كانت أصابع الصغير نحيفة عليها خدوش وكدمات.
وعلى ساعديه آثار زرقاء لم تكن آثار لعب.
نظر توماس إلى وجهه بتمعن.
شعره بني فوضوي.
أنفه صغير.
عظام وجهه دقيقة.
ثم عيناه.
تلك العينان الزرقاوان
كانتا تشبهان عيني صوفيا.
بشكل مؤلم.
مد توماس يده ببطء إلى جيبه.
أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة قديمة التقطت في عيد ميلادها السابع.
صوفيا تضحك وشعرها الطويل منسدل والقلادة نفسها تتدلى على صدرها الصغير.
أدار الشاشة نحو الطفل.
انظر هل تعرف هذه الفتاة
في اللحظة التي وقعت فيها عينا الطفل على الصورة تغير كل شيء.
اتسعت عيناه.
تجمد جسده.
بدأت يداه ترتجفان.
همس بصوت بالكاد يسمع
أنا يجب أن أذهب.
ثم قبل أن يستطيع توماس أن يقول كلمة أخرى استدار الطفل وركض.
ركض بين السيارات