مليونير يرى صبيا يرتدي قلادة ابنته المفقوده
بعد كل ما مرا به كان انتصارا.
في المساء كانت صوفيا تكتب. دفترها الأسود امتلأ بصفحات لم تمح. لم تكتب لتدين ولا لتفضح ولا لتستعيد الألم. كانت تكتب لتضع الأشياء في أماكنها الصحيحة. أسماء تواريخ مشاعر مبعثرةثم سطر واضح يتكرر بصيغ مختلفة
العودة ممكنة.
ذات ليلة جلست إلى جانب توماس على الشرفة. السماء صافية والنجوم متناثرة. رفعت يدها ولمست القلادة حول عنقها. لم تكن قد نزعتها منذ زمن لكنها لم تعد تتشبث بها كما في السابق. صارت جزءا من جسدها لا مرساة ولا عبئا.
قالت بهدوء
تعرف لم أعد أحتاجها كي أتذكر.
نظر إليها.
ومع ذلك ما زلت ترتدينها.
ابتسمت.
لأنها تذكرني بشيء آخر.
بماذا
أن الأشياء الصغيرة قد تنقذ حياة كاملة.
أطرق توماس. تذكر تلك اللحظة في الشارع لمعان الذهب كيف أوقف السيارة دون تفكير وكيف تغير كل شيء بعدها. لم يكن بطلا في تلك اللحظة. كان أبا رأى أثرا لا يخطئه القلب.
مرت السنوات ببطء جميل.
صوفيا كبرت. اختارت تخصصا يساعد الآخرين. لم ترد أن تعرف نفسها بما حدث لها بل بما ستفعله بعده. كانت تشارك أحيانا في جلسات دعم لا لتروي قصتها كاملة بل
لتقول جملة واحدة تكفي
لستم وحدكم.
أما توماس فقد تعلم أن يتراجع خطوة ليبقى قريبا. لم يعد يحميها من العالم بل يقف إلى جانبها وهي تواجهه. كان حضوره ثابتا غير مشروط بلا أسئلة كثيرة.
في إحدى الأمسيات وهما يخبزان الكعك الطقس الذي صار علامة البيت سألته فجأة
هل تشتاق إلى حياتك القديمة
فكر قليلا.
أشتاق إلى فكرة السيطرة. لكنني لا أشتاق إلى الوحدة.
أومأت.
وأنا لا أشتاق إلى القوة التي لا تختار.
ضحكا.
احټرقت دفعة صغيرة من الكعك. فتحا النافذة. دخل الهواء.
في تلك الليلة علقت صوفيا القلادة على مسمار صغير قرب سريرها. لم يكن وداعا. كان ترتيبا جديدا. صارت تلبسها في الأيام التي تحتاج فيها إلى تذكير وتتركها في الأيام التي تشعر فيها بالاكتفاء.
قبل أن تنام دخل توماس الغرفة.
تصبحين على خير.
وأنت من أهله.
وقبل أن يخرج قالت
بابا
الټفت.
نعم
شكرا لأنك لم تتوقف.
ابتسم. لم يقل شيئا. لأن بعض الامتنان لا يحتاج إلى جواب.
مرت أعوام أخرى.
لم تعد القصة خبرا. صارت ذاكرة.
والقلادة تلك النجمة الصغيرة لم تعد رمزا لفقد قديم بل دليل طريق اكتمل.
أحيانا حين كانت صوفيا تمر بشارع هادئ يلمع شيء ذهبي في الزاويةنافذة انعكاس قطعة معدنيةفتبتسم. لا لأن الماضي عاد بل لأنه انتهى كما يجب.
ففي النهاية
ليس كل من يضيع يفقد.
وليس كل من يعود يفعل ذلك بالضجيج.
أحيانا
يكفي وميض صغير في شارع صامت
ليقود صوتا ضائعا
إلى بيت كان ينتظر.