سخر من سيدة مسنّة في البنك… وبعد ثوانٍ ندم على كل كلمة قالها

موقع أيام نيوز

عائدات حسابها في دعم برامج تعليمية وصحية وفي السطر الأخير كتبت 
لقد عشت حياة بسيطة وأرجو أن يبقى أثري بسيطا لكنه صادق 
عندما وصل الخبر بۏفاتها لم يكن هناك صخب انتشر الحزن بهدوء كما انتشرت هي في حياتها وفي الچنازة حضر أشخاص لم يعرف بعضهم بعضا طلاب معلمون مسنون عمال ورجال أعمال لم يجمعهم سوى أثر امرأة واحدة 
بعد الچنازة بأسابيع دخل ريتشارد البنك في يوم جمعة وقف عند المكان نفسه ونظر إلى الشباك الذي وقفت عنده إيفلين ذات يوم شعر بفراغ غريب ثم بابتسامة خفيفة 
لم تكن هناك عصا ولا فستان زهري ولا حقيبة قديمة 
لكن الدرس بقي 
بعض الناس يمرون في حياتنا مرورا عاديا
وبعضهم يغير نظرتنا للعالم دون أن يرفع صوته 
وإيفلين طومسون كانت من الصنف الثاني 
في الأسبوع الذي تلا وصول رسالة الوصية تغير إيقاع البنك من الداخل وإن لم يظهر ذلك للعيان لم تعلق صور ولم تنكس أعلام لكن هناك فراغا خفيا استقر في الزوايا التي اعتادت إيفلين أن تمر بها كانت خطوات الزبائن تعود كما كانت غير أن بعض العيون صارت أطول توقفا وبعض الأصوات أخفض نبرة 
سارة كانت أول من شعر بذلك الفراغ في كل يوم جمعة كانت ترفع رأسها تلقائيا نحو الباب الزجاجي عند الساعة نفسها ثم تبتسم ابتسامة قصيرة لا يراها أحد لم يكن حزنا مباشرا بقدر ما كان إحساسا بأن صفحة أغلقت بهدوء وأن أثرها لن يمحى بسهولة 
في إحدى الأمسيات بعد انتهاء الدوام جلست سارة وحدها تراجع حسابات اليوم كانت الأرقام تتتابع أمامها بلا معنى حتى توقفت عند اسم مألوف في سجل قديم اسم زوج إيفلين الراحل ضغطت الفضول زر البحث فانفتح أمامها تاريخ طويل من الإيداعات الصغيرة المتقطعة المنتظمة مبالغ لا تثير الانتباه لكنها لا تنقطع سنوات كاملة من الصبر الممنهج 
أغلقت الشاشة ببطء أدركت حينها أن الثروة لم تبن بقفزة واحدة بل بخيارات متكررة صامتة لا يصفق لها أحد 
في مكان آخر من المدينة كان ريتشارد يجلس في مكتبه ينظر إلى مخططات مشروع جديد لم يكن متحمسا كما اعتاد كان ذهنه يعود دون قصد إلى ذلك اليوم إلى الصمت الذي أعقب الرقم إلى العصا التي طرقت الرخام بإيقاع ثابت شعر بشيء من الامتنان لأنه تعلم درسا دون أن
يدفع ثمنا أفدح 
قرر أن يزور أحد الأحياء التي مول فيها برنامج التدريب لم يخبر أحدا وقف يتحدث مع الشباب يستمع إلى قصصهم يراقب أيديهم الملطخة بالغبار وهم يتعلمون لم يشعر بتفوق بل بمسؤولية هادئة للمرة الأولى لم يكن المال مركز المشهد 
أما البيت الصغير ذو الشرفة الخشبية فقد بقي كما هو زاره الأبناء والأحفاد على فترات يفتحون النوافذ يعتنون بالحديقة الصغيرة ويتركون الكرسي الهزاز في مكانه لم يغيروا شيئا كانوا يشعرون أن البيت يعرف صاحبه وأنه لا يحتاج إلى تجميل 
في إحدى الزيارات وجد أحد الأحفاد دفترا قديما سقط خلف خزانة أوراق صفراء خطوط متعبة تواريخ وأرقام وبينها جمل قصيرة كتبها الجد بخط متردد 
الصبر عادة لا قرار 
لا تنفق قبل أن تفهم لماذا 
إن جاء الخير دعه يمر بهدوء 
أعاد الدفتر إلى مكانه لم يحتفظ به كتذكار بل كوصية غير معلنة 
مرت سنة أخرى افتتحت مدرسة جديدة بتمويل لم يذكر مصدره تحسنت خدمات دار رعاية دون لافتة شكر في كل مرة كان أحدهم يسأل من المتبرع يأتي الجواب نفسه لا يريد أن يذكر 
وفي البنك أضيفت جملة صغيرة إلى دليل التدريب الداخلي لا تحمل اسما ولا تاريخا 
عامل كل زبون باحترام
كامل لأنك لا تعرف قصته 
كانت جملة بسيطة لكنها وضعت في موضع لا ينسى 
وفي أحد أيام الجمعة وقفت امرأة مسنة أخرى في الطابور فستانها بسيط وحقيبتها قديمة لاحظت سارة ذلك وابتسمت دون وعي عندما وصلت المرأة إلى الشباك قالت 
أريد فقط أن أتحقق من رصيدي 
أومأت سارة باحترام وأخذت البطاقة وكأنها تعيد حركة تعلمت معناها الحقيقي 
لم يكن الرصيد كبيرا لم يحدث صمت لم يتغير شيء خارجيا 
لكن ما تغير كان النظرة 
وهكذا استمر الأثر لا كحدث يروى بل كطريقة تفكير 
في صباح هادئ من صباحات الربيع كان الضوء يتسلل إلى بهو البنك بزاوية مختلفة أكثر نعومة من المعتاد بدا المكان كما لو أنه يتنفس على مهل بعد أعوام من الركض اليومي خلف الأرقام لم يكن هناك حدث يذكر ولا اسم جديد يضاف إلى السجلات لكن شيئا ما كان قد استقر في الجدران 
سارة أصبحت الآن أقدم قليلا أكثر ثباتا وأكثر صمتا تعلمت أن الإصغاء ليس مهارة مهنية فحسب بل موقف أخلاقي لم تعد ترى الزبائن كمجرد معاملات بل كحكايات عابرة تمر من أمامها بعضها يقال وأكثرها يخفى 
كانت تتذكر إيفلين دون أن تتعمد ذلك لم تعد الصورة مرتبطة بالرقم بل بالهدوء الذي سبقه وتلاه ذلك الهدوء الذي لا يشترى 
في أحد أيام الجمعة دخل ريتشارد البنك مجددا لم يكن يأتي كثيرا كما في السابق تقدم بهدوء وقف في الطابور دون تذمر ولم ينظر إلى ساعته إلا مرة واحدة عندما وصل إلى الشباك أنهى معاملته بابتسامة مقتضبة ثم توقف لحظة قبل أن يبتعد 
نظر إلى المكان الذي وقفت فيه إيفلين يوما ثم قال لسارة بصوت خاڤت 
كانت امرأة مميزة 
أومأت سارة ولم تضف شيئا لم يكن هناك ما يقال 
خرج ريتشارد وسار ببطء هذه المرة لم يكن في داخله شعور بالذنب بل شيء أقرب إلى الامتنان أدرك أن بعض الدروس لا تلقى في قاعات ولا تكتب في كتب بل تعاش في لحظة عابرة بين كلمة ساخرة وصمت طويل 
في المساء وفي البيت الصغير كانت إحدى الحفيدات تجلس على الشرفة الخشبية تقرأ بصوت منخفض من دفتر قديم لم تكن تقرأ الأرقام بل الجمل القصيرة المكتوبة على الهامش تلك التي لم تقصد للنشر لكنها بقيت 
أغلقت الدفتر ونظرت إلى السماء ثم قالت لنفسها 
سأعيش ببساطة كما أرادت 
مرت الأعوام وتغير الناس وتبدلت الوجوه في البنك لكن القصة لم تمت لم ترو كاملة ولم تختصر في عنوان بل ظلت حية في سلوك مختلف في نظرة أهدأ في احترام لا ينتظر مقابلا 
وفي كل يوم جمعة عند الساعة نفسها تقريبا كان هناك من يتذكر امرأة دخلت بنكا لا لتثبت شيئا بل لتتأكد فقط أن كل شيء يسير كما ينبغي 
لأن بعض الناس لا يتركون خلفهم ثروة تعد
بل أثرا يشبههم
صامتا ثابتا وعميقا 
وهكذا اكتملت الدائرة 
بلا ضجيج 
وبالنهاية ذاتها التي بدأت بها الحكاية 
إن المال مهما بلغ لا يساوي شيئا إن لم يحمله قلب يعرف التواضع والصبر والكرامة

تم نسخ الرابط