قصة بعد ۏفاة زوجتي، طردتُ ابنتها

موقع أيام نيوز

تريد رؤيتك قبل أن يحدث أي شيء آخر. شعرت بكلمتها تخترق صدري كالسهم. لم أفكر يوما أن فتاة طردتها وكسرت قلبها قد ما زالت تعتبرني شيئا يستحق أن ينادى في لحظات الضعف. اقتربت خطوة ثم أخرى حتى أصبحت بجانبها. مددت يدي بارتجاف ولمست أطراف أصابعها الباردة فتفتحت عيناها ببطء كمن يستيقظ من حلم طويل ومؤلم. نظرت إلي ولم تحمل ملامحها أي كراهية.
قالت بصوت واهن متقطع كنت أعرف أنك ستأتي لم أكرهك يا أبي. شعرت بصدري ينهار. سقطت على الكرسي بجانبها وأمسكت يدها بكل ما تبقى لدي من قوة. حاولت أن أقول شيئا أي شيء لكن الكلمات علقت في حلقي. لم يكن في وجهي مكان لكتم الدموع ولم يكن في قلبي مكان لشيء سوى الندم. همست لها بصوت مخڼوق أنا آسف يا ليلي آسف على كل لحظة ظلم وعمى آسف لأني تركتك تمضين في العاصفة. ابتسمت تلك الابتسامة الصغيرة التي كانت لورا تملكها ابتسامة فيها مسامحة أكبر مما أستحقه.
ثم أغلقت عينيها مرة أخرى وكأن الحديث أنهكها. وضعت إيما يدها على كتفي وقالت بصوت مطمئن إنها بخير الآن
أن الفتاة أمامي ليست دمي لكنها كانت وستظل لحم روحي وفي السنوات التي تلت ذلك تغير عالمي كله بطريقة لم أتوقعها. خرجت ليلي من المستشفى بعد أسابيع طويلة من العلاج وكان كل يوم معها يشبه إعادة بناء منزل تهدم بالكامل. عدنا نتعلم التحدث بلا خوف والضحك بلا حساب والبكاء بلا خجل. كنت أرافقها لكل مواعيدها وأحضر جلسات العلاج وأتعلم كيف أكون أبا للمرة الأولى بشكل صحيح هذه المرة. لم يعد يهمني إن كانت تشبهني أو تحمل جيناتي فقد كانت تشبه قلبي الذي فقدته يوما ووجدته من جديد.
كانت تخبرني شيئا إضافيا كل أسبوع عن السنوات التي قضتها في الملاجئ والأعمال البسيطة التي عملت بها وكيف حاولت أن تبحث عني قبل أن تستسلم. لم أكن أعرف ماذا يؤلمني أكثر قصتها أم جهلي. لكن كلما تقدمت الأيام كانت المسافة بين الماضي والمستقبل تضيق وتحل مكانها حياة جديدة كتب لنا أن نعيشها. كنت أجلس أحيانا أمام مذكرات لورا التي كنت قد مزقتها جزئيا وأعيد قراءتها بعيون أخرى. لم تعد كلماتها ټخونني بل تشرح لي خۏفها وأخطائي ومحاولتها أن تحب بطريقتها الناقصة.
وفي إحدى الأمسيات كنا نجلس على الشرفة نراقب الغروب فالتفتت ليلي إلي وقالت بابتسامة دافئة أتعرف يا أبي لم أكن بحاجة إلى أب يشبهني كنت بحاجة لأب يبقى. عندها فقط شعرت أن السنوات العشر الماضية بكل ألمها وندمها انتهت. ليس لأنني استحق الغفران بل لأنها منحته لي رغم كل شيء. أمسكت يدها ونظرت إلى آخر خيط من نور الشمس وعرفت أن الډم ليس هو ما يصنع العائلة بل القدرة
على البدء من جديد مهما تأخر الوقت.

تم نسخ الرابط