أمي سحبت حبّها مني لأنني اخترت عائلة غير كاملة… وبعد 3 سنوات صُدمت بما وجدته في بيتي

موقع أيام نيوز

يتأقلم مع ما حدث.
لم يتغير شيء بشكل درامي. لم تكن هناك مكالمات لاحقة. ولا اعترافات مفاجئة. ولا رسائل عاطفية تدس تحت الباب.
لكن شيئا ما كان قد تغير رغم ذلك.
لاحظته في الطريقة التي صرت أتنفس بها بسهولة أكبر وأنا أقف في المطبخ. وفي أنني لم أعد أعيد كلماتها في رأسي كما كنت أفعل. لسنوات كان صوتها يعيش في داخلي يصحح وقفتي ويشكك في خياراتي ويذكرني بما كان يمكن أن أكونه.
الآن بدا بعيدا. أصغر.
سألني آرون عنها مرة واحدة في صباح اليوم التالي لرحيلها. كان يجلس إلى الطاولة حبوب الإفطار متناثرة في وعائه كالألعاب الڼارية.
قال بفضول بلا اتهام هل هي غاضبة منا
قلت لا. إنها تتعلم فقط.
أومأ كأن الأمر بديهي.
الأطفال يفهمون ما يعقده الكبار.
راقبتني آنا بعناية ذلك الأسبوع. لم تضغط. لم تحلل. كانت تقترب فحسب وتمنح لحظات صغيرة ثابتة. يد على كتفي وأنا أغسل الصحون. ابتسامة هادئة حين تلتقي عيوننا عبر الغرفة.
في إحدى الأمسيات ونحن نطوي الغسيل قالت بصوت منخفض
أأنت بخير
فكرت قليلا قبل أن أجيب.
قلت نعم. أنا بخير حقا.
وفاجأني أنني كنت صادقا.
بعد أيام استخدمنا بطاقة الهدية.
أمسكها آرون كما لو كانت شيئا هشا ومهما. قدنا السيارة إلى متجر موسيقى صغير عبر المدينة ليس المعرض اللامع الذي أحبته أمي بل مكان تفوح منه رائحة الخشب القديم والنوتات. متجر لا يمانع صاحبه إن ضغط طفل المفاتيح بقوة.
جرب آرون ثلاثة بيانو قبل أن يستقر على واحد. لم يسأل أيها الأفضل. اختار الذي شعر أنه مناسب.
وهو يعزف بفرح غير مصقول أدركت أمرا لم تفهمه أمي قط.
لم يكن يحاول أن يكون مبهرا.
كان يحاول أن يكون سعيدا.
في تلك الليلة وبعد أن نام آرون جلست وحدي في غرفة المعيشة. كان البيت ساكنا إلا من أزيز الثلاجة وصرير الجدران وهي تستقر.
فكرت في طفولتي.
في الليالي التي قضيتها أتدرب حتى تحترق أصابعي. وفي الإحساس بأن الثناء كان دائما مشروطا. وفي أن الحب في عالم أمي كان يستحق ويحافظ عليه كعرض دائم.
ثم نظرت حولي.
إلى الإطارات المائلة للصور.
وكومة أوراق المدرسة على المنضدة.
ومقعد البيانو المهترئ الذي يحمل مسمارا مرتخيا.
لا شيء كامل.
كل شيء حقيقي.
تحولت الأسابيع إلى أشهر.
لم تختف أمي من حياتي لكنها لم تعد تحوم فوقها أيضا. أحيانا ترسل رسالة قصيرة. تعليقا عن الطقس. سؤالا عن دروس البيانو لآرون. مرة واحدة ملاحظة مقتضبة تتمنى فيها أن أكون بخير.
لم تكن دافئة.
لكنها لم تكن أسلحة أيضا.
وكان ذلك تقدما.
ذات بعد ظهر وجدتني آنا واقفا في الممر أحدق في آثار الكفين الخضراء قرب باب غرفة آرون.
قالت برفق يمكنك أن تطلي فوقها.
قلت أعلم.
قالت لكنك لن تفعل.
ابتسمت لا. لن أفعل.
تلك العلامات لم تكن فوضى. كانت ذكريات. دليلا على حياة تعاش لا تنسق.
فكرت حينها في الإرث.
كانت أمي ترى الإرث شيئا تحميه بشراسة. شيئا هشا يمكن أن
يفسده الاختيار الخاطئ أو الأشخاص الخطأ أو نوع الحب الخطأ.
أما أنا فقد تعلمت شيئا مختلفا.
الإرث ليس الكمال.
إنه الحضور.
هو أن تكون موجودا في الصباحات المتعبة وأن تنصت حين يثرثر طفل أكثر من اللازم. هو اختيار اللطف بدل السيطرة. وترك مساحة للأخطاء والضحك والفرص الثانية.
بعد أشهر عاد آرون من المدرسة يلوح بورقة.
قال مبتسما دعيت للعزف في الحفل الشتوي.
قالت آنا وهي تضمه هذا رائع.
الټفت إلي وقال هل ستجلس في الصف الأول
قلت دائما.
في تلك الليلة وأنا أضعه في سريره سأل سؤالا أخيرا
هل تظن أنها ستود سماعي أعزف
توقفت لحظة.
قلت بصدق ربما يوما ما. لكنك لا تعزف من أجلها.
ابتسم وهو يغفو.
قال أنا أعزف لأن ذلك يجعلني أشعر بشيء جميل.
جلست قليلا بعد أن نام أستمع إلى تنفسه وأشعر بشيء يستقر في داخلي.
طوال معظم حياتي كنت أعتقد أن الحب يأتي بشروط. وأن القبول يكتسب بأن تكون أصغر وأهدأ وأفضل.
الآن أعرف أفضل.
الحب ليس أن تختار لأنك تناسب القالب.
بل أن تختار لأنك أنت.
قد لا تفهم أمي أبدا الحياة التي بنيتها. وقد تراها دائما أقل مما تخيلت.
لكن حين سخرت من اختياراتي قبل سنوات كانت تعتقد أنني أتخلى عن كل شيء.
ما لم تره هو أنني كنت أخيرا أختار شيئا حقيقيا.
وبعد ثلاث سنوات وأنا أقف في بيت مليء بالموسيقى والضحك والفرح غير الكامل عرفت الحقيقة.
لم أفقد شيئا مما يهم.
لقد ربحت كل شيء.

تم نسخ الرابط