الأبواب التي أُغلقت والبيت الذي عاد إلى صاحبه
بعد ثلاثة أيام من تلك الليلة التي وقفت فيها ابنتي الصغيرة تحت المطر وصلت الرسالة.
كانت مغلفة بعناية بخط متزن لا يشبه سطور الڠضب لكن حين فتحتها أمي ووقعت عيناها على السطر الأول خبا لون وجهها في لحظة وكأن الكلمات خرجت من بين الورق لتقتص من قلبها مباشرة.
جلست على الأريكة دون أن تنبس ببنت شفة والدهشة تشق ملامحها كأنها تواجه شبحا تعرفه جيدا.
لم تكن تعلم أن ما فعلته تلك الليلة حين أغلقت الباب في وجه حفيدتها سيعود إليها بهذه السرعة وبذلك الهدوء القاټل.
كان كل شيء قد بدأ قبل ذلك بأيام قليلة في خميس عادي لا يحمل في ظاهره نذير عاصفة.
كنت في عملي بالمستشفى حين اهتز هاتفي على المكتب. ست مكالمات فائتة من هانا.
توقف الزمن للحظة.
قلبي انقبض دون سبب واضح أو ربما لأن الأم تعرف دائما أن الصوت القادم سيحمل ۏجعا ما.
رفعت الهاتف بسرعة وجاءني صوتها المرتجف كنسمة خائڤة
ماما المفتاح ما بيفتح. أظن إنهم غيروا القفل.
ابتلعت ريقي بصعوبة. حاولت أن أبدو مطمئنة
جربي مرة ثانية يا حبيبتي يمكن القفل علق.
صمت قصير تلاه صوتها الخاڤت
جدتي قالت إننا ما بنعيش هون بعد اليوم.
في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تميد بي. لم أستطع الكلام. كل ما كنت أخشاه من قبل صار حقيقة تقال على لسان طفلة.
انتهت المكالمة لكن صوتها ظل يدور في رأسي كطرق متواصل على جدران الذاكرة.
قدت السيارة بسرعة لم أقد بها يوما. المطر كان ينهمر كڠضب قديم قرر أن يخرج دفعة واحدة.
وحين توقفت أمام المنزل رأيتها ابنتي تجلس على عتبة الباب مبللة من رأسها حتى قدميها تحاول أن تحتضن نفسها كأنها تحتمي من العالم.
ركضت نحوها احتضنتها بقوة ولففتها بمعطفي.
كانت ترتجف وتهمس بصوت خاڤت يقطع القلب
آسفة يا ماما يمكن أزعجتهم.
قلت وأنا أمسح على شعرها المبلول ما تعتذري يا حبيبتي. أنت لم تفعلي شيئا خطأ.
انفتح الباب فجأة وانبعث من خلفه ضوء الشرفة الدافئ.
كانت أمي تقف هناك تمسك كأسا وعلى وجهها ابتسامة باردة لا تشبه وجه أم.
قالت بلهجة هادئة كأنها تتحدث عن أمر عابر
إلينا ما الذي تفعلينه هنا
نظرت إليها مطولا. قلت بصوت مرتجف لكنه واضح
غيرتم الأقفال.
أخذت رشفة صغيرة من الكأس وقالت
احتجنا قليلا من الخصوصية.
نظرت إلى ابنتي المرتجفة ثم إليها وقلت
تركت طفلة في الحادية عشرة من عمرها في الشارع تحت المطر!
رفعت كتفيها ببرود لا يحتمل وقالت
هي بخير. إنها ليست رضيعة. ثم قررنا أنا وبريتني أنك وهانا لن تعيشا هنا بعد اليوم. الأمور ستكون أهدأ هكذا وأقل توترا.
نظرت إلى الداخل. رأيت أولاد بريتني يلعبون في الصالة حيث كانت صورة أبي تتوسط الجدار ذات يوم.
كانت بطانية هانا مطوية بعناية على الكنبة وكأنها تذكار من حياة تم محوها عمدا.
في تلك اللحظة شعرت أن شيئا انكسر داخلي إلى الأبد.
لم أصرخ لم أبك.