كان يوجد طفل في العمر العاشرة

موقع أيام نيوز

ثقة لم يعرفها من قبل. بدأ يتفوق في دراسته شيئا فشيئا وصار من أكثر الطلاب نشاطا ومثابرة.
وذات يوم أقيم احتفال في المدرسة لتكريم الطلاب المتفوقين وكانت المفاجأة أن اسم أسامة أعلن بين الطلاب الذين حصلوا على جوائز تقديرية. صعد أسامة إلى المسرح والدموع في عينيه لكنه هذه المرة لم تكن دموع حزن بل دموع فرح. نظر إلى المعلمة التي كانت تصفق له من بين الحضور وأحس أن الدنيا عوضته عن فقد أمه وأبيه بشخصية أهدته الحنان والرعاية من جديد. المعلمة بدورها لم تتمالك نفسها واعتلت المسرح لتسلمه الجائزة بنفسها ثم احتضنته أمام الجميع وقالت هذا هو ابني البطل الذي أفتخر به. ضج الحفل بالتصفيق وابتسم أسامة ابتسامة لم يرها أحد من قبل.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد أسامة مجرد طفل يتيم يعيش تحت ظل الحزن بل أصبح قصة أمل يتحدث عنها كل من عرفه. صار رمزا للصبر والقوة وأصبحت معلمته مثالا للرحمة والإنسانية. كبرت علاقة أسامة بمعلمته حتى أصبحت بمثابة الأم التي فقدها وهو بمثابة الابن الذي لم ترزق به. وكلما نظر إلى السماء أو زار قبر أمه كان يبتسم ويقول لها لا تقلقي يا أمي لقد أرسل الله لي أما ثانية في الدنيا ولن أكون وحيدا بعد اليوم.
مرت السنوات على أسامة وهو يعيش بين دفء الحنان الجديد الذي زرعته تلك المعلمة في حياته وكأن القدر قرر أن يجبر كسر قلبه بطريقته الخاصة. لم تعد أيامه مظلمة كما كانت من قبل بل صار كل صباح ينهض بابتسامة يسبقها دعاء لأمه التي رحلت مبكرا وللمعلمة التي أصبحت رمزا للأم الثانية في حياته. كان يجلس أحيانا بجوار قبر أمه يحدثها كما اعتاد لكنه هذه المرة لم يكن يبكي بمرارة بل كان يخبرها بإنجازاته بنجاحاته بضحكته التي عادت تزين وجهه وبأنه لم يعد وحيدا في مواجهة الدنيا.
المعلمة من جهتها تغيرت حياتها بالكامل كانت تقول دائما إنها تعلمت من أسامة أكثر مما علمته هي. علمها أن وراء كل طفل حكاية قد تخفي ألما أكبر من أن يتحمله الكبار وأن القسۏة قد ټقتل روحا بريئة بينما كلمة طيبة قادرة أن تصنع بطلا. ومنذ تلك الحاډثة لم تعد تعامل طلابها كأسماء في كشف الحضور بل كقلوب تحتاج للرحمة قبل العلم. كانت تقترب منهم أكثر تستمع لهم تشعر بهم وتراقب تفاصيلهم الصغيرة التي قد تخفي وراءها ۏجعا صامتا.
كبر أسامة وأصبح شابا ناجحا تفوق في دراسته وتخرج من الجامعة بمرتبة الشرف. يوم تخرجه لم يكن ينقصه سوى وجود أمه وأبيه لكنه كان على يقين أن أرواحهما تبارك خطواته من السماء. حمل شهادة التخرج بيد وأمسك بيد معلمته باليد الأخرى وهو يقول لها أنت أمي أنت من صنعت مني هذا
الإنسان وكل نجاحي أهديه لك. لم تستطع المعلمة كتم دموعها فقد شعرت أن الله عوضها عن حرمانها من الأمومة بأسامة الذي أصبح لها الابن البار الذي طالما حلمت به.
القصة لم تنته عند حدود المدرسة أو مقاعد الدراسة بل امتدت لتصبح درسا خالدا في معنى الرحمة والإنسانية. أسامة أصبح رمزا بين طلاب المدرسة والجميع بات يردد قصته كعبرة لا تنسى أن اليتم ليس عيبا وأن الفقر ليس نهاية وأن كلمة قاسېة قد تذبح بينما موقف مليء بالحب قد يعيد للحياة معنى جديدا.
وفي كل مناسبة كان أسامة يقف أمام قبر أمه يضع الأزهار ويهمس اطمئني يا أمي لقد كنت دائما سبب قوتي ولولاك ما وصلت هنا. واليوم أنا بخير لم أعد ذاك الطفل الباكي صرت رجلا يعرف أن الله لا يترك عباده وأن الرحمة التي تزرع في القلوب قادرة أن تغير مصير إنسان بأكمله.
وهكذا أصبحت نهاية حكاية أسامة ليست مأساة كما بدأت بل بداية حياة جديدة تعلم كل من يسمعها أن خلف كل طفل متأخر أو مهمل حكاية لا نعرفها وأن الرحمة قد تكون الطريق الوحيد لشفاء الجراح التي لا يراها أحد.

تم نسخ الرابط