كوباية الشاي بخمسة جنيهات قصة واقعية مؤثرة

موقع أيام نيوز


وقال بهدوء ربنا يجبر بخاطرك يا ابني. لو ما كنتش جيت في الليلة دي كان قلبي ماټ خلاص.
خرجت من عنده والبرد لسه قارس بس قلبي دافي. كنت ماشي في الشارع والمطر نازل خفيف بس المرة دي ما كنتش متضايق. كنت حاسس إن الحياة لسه فيها خير وإن كل طرقة باب ممكن تغير حياة إنسان. الناس بتفتكر إننا في شغل التوصيل بنوصل أكواب أو وجبات أو طرود. بس الحقيقة أحيانا بنوصل معنى. أحيانا الكوباية اللي بخمسة جنيه بتكون أغلى من ألف جنيه لأنها توصل إحساس إننا لسه بشړ بنشوف بعض.
عدى عام كامل على آخر مرة شفت فيها الحاج عبد الرحيم. كنت كل فترة أدخل الجروب أشوف صوره اللي الجيران بينزلوها مرة وهو بيتفرج على الماتش ومرة وهو بيضحك في عزومة صغيرة ومرة وهو ماسك وردة جابها له طفل من الدور الرابع. كنت بحس إن قلبي بيتدفى كل مرة أشوف صورته. الراجل اللي كان عايش في صمت كامل بقى له حياة وأصحاب وصوت بيرن في العمارة. لكن زي ما بيقولوا الزمن دايما ليه رأيه الأخير.
في ليلة شتا شبه اللي بدأت منها الحكاية كنت راجع من مشوار طويل والمطر بيغسل الشوارع زي زمان. الهوا برد جدا والسماء سودا والمدينة كلها نايمة. فجأة رن الموبايل. تنبيه من تطبيق التوصيل طلب واحد كوب شاي سادة من كشك القهوة في شارع الهرم. الوجهة شقة رقم ٧ الطالبية. اتجمدت مكاني. قعدت أبص في الشاشة كأني مش مصدق. آخر طلب منه كان من شهور والجيران قالوا إنه بقى كويس ما عادش بيطلب حاجة بنفسه. افتكرت صوته وضحكته والجملة اللي قالها آخر مرة ربنا يجبر بخاطرك يا ابني. فبدون تفكير ركبت العربية القديمة اللي لسه بتعيش بالعافية وانطلقت.
العمارة كانت هادية نفس الريحة القديمة نفس السلم اللي بيئن تحت الخطوات. طلعت وأنا ماسك كوباية الشاي بإيدي زي زمان. طرقت الباب ما فيش رد. طرقت تاني برضه صمت. سمعت صوت باب الشقة المقابلة يتفتح وطلعت منه الست الطيبة اللي كانت أول مرة تستقبلني هناك. بصت لي باستغراب وقالت إنت أحمد قلت أيوه يا خالتي الحاج طلب شاي النهارده من التطبيق. سكتت لحظة وبعدين دمعتها نزلت وهي بتقول يا ابني الحاج عبد الرحيم توفى من أسبوع.
الهواء اللي كنت بشمه اختفى. حسيت كأن الوقت وقف. قالت وهي بتحاول تمسح دموعها يمكن التطبيق جدد الطلب تلقائي أو يمكن يمكن ربنا كان عايزك تيجي النهارده. دخلت الشقة بإذنها. كل حاجة كانت زي ما هي بس فيها سكون غريب. الكرسي الحديد الصورة اللي على الترابيزة البرواز اللي فيه هو ومراته وابنه. الاختلاف الوحيد إن في وسط الترابيزة كان فيه كوباية شاي سادة. باردة. كأنها استنتني.
قعدت على الكرسي المقابل وحطيت الكوباية اللي جبتها جنبه. وبصيت ناحية صورته وقلت بصوت واطي وصلت يا حاج زي كل مرة. الست اللي كانت معايا قالت هو كان دايما يحكيلنا عنك ويقول إنك ابنه اللي ما خلفوش. ابتسمت وأنا مش قادر أتكلم. خرجت من الشقة والمطر نازل بره خفيف. بس المرة دي كنت حاسس إن في نقطة مطر نزلت من جوه مش من السما.
قررت أكتب بوست جديد على الجروب
الراجل اللي كنا بنوصله شاي زمان الحاج عبد الرحيم توفى الأسبوع اللي فات. لكن قبل ما يمشي علمنا كلنا معنى بسيط جدا للحياة إنك ممكن تكون سبب إنسان يعيش يوم زيادة. مفيش طلب صغير طالما فيه إنسان كبير وراه.
البوست انتشر في كل حتة. واللي حصل بعدها كان أغرب من الخيال ناس من الشارع بدأوا يزوروا جيرانهم الكبار وشباب كتير كتبوا إنهم أول مرة يكلموا حد من العمارة عندهم. وبعد شهور وأنا معدي من نفس الشارع لقيت لافتة صغيرة متعلقة على مدخل العمارة مكتوب عليها عمارة الحاج عبد الرحيم بيت الخير. وقفت أبص عليها وابتسمت. لأني عرفت إن كوباية الشاي اللي كانت بخمسة جنيه خلدت ذكرى راجل واحد وخلت حي كامل يتعلم يعني إيه الإنسانية.

تم نسخ الرابط