إخوته رفضوا إنقاذ أبيهم من الدَّين… لكنه وحده قال: «أنا أتحمّل» — وبعد عام حدث ما لم يتوقّعه أحد

موقع أيام نيوز

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفا عن غيره في ظاهره
لكن بعض الأيام لا تحتاج إلى صخب كي تغير مجرى الحياة يكفيها صمت ثقيل.
عاد والدي من المستشفى قبل الظهر بقليل.
دخل البيت ببطء دون أن يخلع حذاءه فورا كما كان يفعل دائما ودون أن ينادي على أحد. كانت خطواته قصيرة محسوبة كأن الأرض لم تعد تثق به فيبادلها الحذر بالحذر.
كنا نحن الإخوة الثلاثة في غرفة الجلوس.
أنا الأصغر جلست قرب النافذة أراجع في ذهني أرقام الرهن العقاري الذي لم يمض عليه سوى أشهر.
أخي الأكبر كان يقلب هاتفه بعصبية يتنقل بين رسائل تخص جامعة أبنائه ومصاريفهم.
أما الأوسط فكان شاردا يفرك يديه كمن يفكر في متجره الجديد الذي استدان لأجله أكثر مما يحتمل.
دخل أبي
ووضع على الطاولة ورقة واحدة.
لم يقل شيئا.
لم يجلس.
فقط وضعها ونظر إلينا واحدا واحدا ثم أدار ظهره وتوجه نحو غرفته.
ساد صمت لم أسمعه في حياتي من قبل.
اقترب أخي الأوسط أولا التقط الورقة قرأ السطر الأول فتغير وجهه.
سند دين تمتم.
مدها إلى الأكبر الذي قرأ الرقم فقط ثم أطلق زفرة قصيرة كأنها صڤعة.
900000.
كان المبلغ مكتوبا بوضوح لا يقبل التأويل.
سند دين رسمي موقع باسم والدي كمدين.
نظرنا إلى بعضنا البعض.
ثلاثة أبناء وثلاثة أعذار جاهزة.
قال أخي الأكبر أولا وكأنه كان ينتظر اللحظة ليقولها
أنت تعرف ظروفي الجامعة الخاصة الرسوم السكن الكتب كل ما أجنيه يذهب هناك.
هز الأوسط رأسه وأضاف بسرعة قبل أن يطلب منه شيء
وأنا فتحت متجر الأدوات الحديدية قبل شهرين. بالكاد أقف على قدمي. لو دفعت شيئا الآن سأغلق غدا.
ساد صمت آخر
ثم الټفتا إلي.
كنت الأصغر.
حديث الزواج.
بيتي ما زال يحمل رائحة الطلاء الجديد وأقساط الرهن لم تسدد بعد حتى منتصفها.
قلت بهدوء
المبلغ كبير
لكنني لم أكمل الجملة.
رأيت صورة والدي في ذهني
شعره الذي كان أسود كثيفا صار أبيض بالكامل.
كتفاه اللذان حملا صناديق العمر انحنتا فجأة.
نظرة رجل لم يطلب يوما شيئا وها هو الآن يضع ورقة على الطاولة كأنها اعتراف أخير بالعجز.
نهضت.
حملت سند الدين.
وقعت.
لم أكن شجاعا
كنت فقط عاجزا عن قول لا.
في تلك الليلة جلست مع زوجتي.
كانت تنظر إلي بصمت وهي تسمع التفاصيل.
900000 قالت بهدوء مخيف.
نعم.
لم تصرخ.
لم تبك.
اكتفت بأن تنظر إلى الجدار طويلا ثم قالت
سنجد حلا.
في اليوم التالي نقلت والدي ليعيش معنا.
دخل بيتنا بخطوات مترددة كأنه يخشى أن يكون عبئا.
رتبت له غرفة صغيرة في الطابق الأرضي. قرب المطبخ. قرب الأطفال. قرب الحياة.
في الأيام الأولى كان قليل الكلام.
يستيقظ مبكرا يجلس في الفناء يحدق في الشجرة الوحيدة التي زرعتها زوجتي.
كان يراقب أحفاده وهم يركضون ويبتسم أحيانا ابتسامة خجولة كأنها اعتذار.
بدأت العمل لساعات أطول.
وظيفتان.
نوبات إضافية.
أي شيء يمكن أن يقترب من ذلك الرقم المرعب.
مر شهر ثم شهران.
بدأت التفاصيل الصغيرة تظهر
زوجتي توقفت عن شراء أي شيء ليس ضروريا.
لم نعد نخرج في عطلات نهاية الأسبوع.
الطعام صار أبسط.
وفي أحد الأيام باعت دراجتنا الڼارية دون أن تخبرني إلا بعد أن تم الأمر.
كانت جديدة قلت.
لكن الدين أقدم. أجابت.
في المقابل
كان والدي يتغير.
صار يضحك أكثر.
يتحدث مع الأطفال.
يروي لهم قصصا عن طفولتنا لم نسمعها نحن من قبل.
وفي إحدى الليالي بينما كنت أعد الأرقام على الطاولة اقترب مني ووضع يده على كتفي.
أنا أعرف ما تفعل. قال.
وأعرف كم كلفك هذا.
لم أعرف ماذا أقول.
أضاف
ليس كل من يدفع دينا يسد دينا. بعض الديون تكشف القلوب.
لم أفهم قصده آنذاك.
لكن بعد عام كامل
سأفهم كل شيء.
لم يبدأ ثقل السنة في يومها الأول.
بدأ زحفا بطيئا خبيثا كالماء الذي يتسرب تحت الباب دون صوت.
في الأسابيع الأولى كنت أقنع نفسي أن الأمر مؤقت.
كنت أقول سأشد الحزام

تم نسخ الرابط