إخوته رفضوا إنقاذ أبيهم من الدَّين… لكنه وحده قال: «أنا أتحمّل» — وبعد عام حدث ما لم يتوقّعه أحد
المحتويات
قليلا أعمل أكثر نتحمل سنة واحدة ثم تنتهي القصة.
لكن الأرقام لا ترحم من يستخف بها والزمن لا يقدم خصومات.
كنت أخرج من البيت قبل شروق الشمس وأعود بعد أن ينام الأطفال.
أحيانا أراهم نائمين فأشعر براحة غريبة لأنني لا أحتاج أن أشرح لهم لماذا لم أكن موجودا.
وفي أحيان أخرى كنت أتمنى أن يبقوا مستيقظين فقط لأسمع أصواتهم لأتذكر لماذا أتحمل كل هذا.
والدي كان يلاحظ كل شيء.
كان يرى تعب عيني وانحناءة ظهري التي بدأت تشبه انحناءه.
لكنه لم يكن يقول شيئا.
في إحدى الليالي جلس بجانبي بينما كنت أتناول العشاء المتواضع طبق فاصولياء خبز يابس وكوب شاي بلا سكر.
قال بهدوء
كنا نأكل هذا في طفولتك.
ابتسمت
لكننا كنا صغارا.
أجاب
وأنت الآن رجل لكن الجوع واحد.
كان في صوته شيء يشبه الاعتذار وشيئا آخر يشبه الفخر.
مرت الشهور.
أصبح الدين حاضرا في كل تفصيل
في اختيارنا للطعام
في تأجيل إصلاح الغسالة
في الملابس التي نرتديها عاما بعد عام.
زوجتي
لم تشتك.
وهذا كان الأصعب.
لم تقل يوما لماذا فعلت ذلك
لم تذكرني بالدين إلا حين نخطط للدفع.
لكنني كنت أراها وهي تعد النقود بصمت تضعها في ظرف وتغلقه بعناية كأنها تخفي خۏفها بداخله.
وفي إحدى المرات حين رأتني أفرغ جيبي من العملات القليلة المتبقية قالت
لا تقلق لسنا فقراء. نحن فقط نمر بمرحلة.
كنت أعرف أنها تكذب
لكنني أحببتها أكثر لأنها فعلت.
أما إخوتي
فكانوا بعيدين.
يزورون أحيانا.
يجلسون دقائق.
يسألون عن صحة والدي.
ثم يغادرون.
لم يسأل أحدهم يوما عن الدين.
ولا عن العمل.
ولا عن حالنا.
وفي كل مرة كانوا يرحلون كان والدي يلتزم الصمت.
لكنني كنت أراه يراقب الباب بعد خروجهم كأن شيئا في داخله يغلق معهم.
في الشهر السادس مرضت زوجتي.
إرهاق.
دوار.
طبيب قال تحتاج إلى راحة.
ضحكت بمرارة.
الراحة كانت أغلى
من الدواء.
وفي تلك الليلة حين ظنت أنني نائم سمعتها تبكي في المطبخ.
لم أخرج.
أحيانا يكون عدم الخروج هو الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله.
مر الشتاء.
ثم الربيع.
بدأت أشعر أن الزمن يختبرني عمدا.
كلما سددت قسطا ظهر مصروف جديد.
كلما قلت اقتربنا ابتعد الهدف خطوة أخرى.
وفي أحد الأيام عدت إلى البيت متأخرا جدا.
وجدت والدي جالسا في الظلام.
لماذا لم تشعل الضوء سألت.
قال
كنت أفكر.
جلست بجانبه.
في ماذا
تردد ثم قال
في الإخلاص.
نظرت إليه باستغراب.
ليس كل من يقول أنا معك يكون معك فعلا.
بعض الناس يحبك ما دمت قويا ويعتذر عندما تضعف.
لم أفهم لماذا قال ذلك في تلك اللحظة لكن كلماته علقت في ذهني.
في الشهر التاسع بعت بعض الأثاث.
لم نعد نملك إلا الضروري.
وفي المقابل صار والدي أكثر حضورا.
كان يساعد الأطفال في واجباتهم.
يعد لهم قصصا من الماضي.
وكانوا يحبونه حبا صافيا بلا شروط.
وفي إحدى الليالي قال لي
أنت تعتقد أنك تضحي من أجلي لكنك في الحقيقة تعلم أبناءك درسا لن ينسوه.
سألته
أي درس
أجاب
أن العائلة تختبر في الضيق لا في الوفرة.
اقتربت نهاية السنة وكنت مرهقا إلى حد لم أعد أفرق فيه بين الأيام.
كنت أعد الشهور كما يعد السجين الأيام على الجدار.
ثم جاء اليوم الأخير من السنة.
لم أكن أعلم أنه لم يكن نهاية
بل بداية شيء آخر تماما.
بدأ الشهر العاشر بثقل مختلف.
لم يكن ثقل المال وحده بل ثقل الأسئلة التي بدأت تتكاثر في رأسي دون إجابات.
كنت أستيقظ أحيانا قبل المنبه لا لأنني نشيط بل لأن قلبي كان يسبقني إلى القلق.
أجلس على طرف السرير أراقب زوجتي وهي نائمة وأتساءل بصمت إلى متى
والدي كان يستيقظ قبلي.
أراه في الفجر جالسا في الفناء يلف كتفيه بمعطفه القديم يحدق في السماء كمن ينتظر إشارة.
لم يعد يبدو رجلا منكسرا كما في البداية.
كان صامتا نعم
لكن صمته لم يعد صمت عجز بل صمت معرفة.
في أحد الأيام بينما كنت أرتب أوراق العمل لاحظت شيئا غريبا.
كان والدي
متابعة القراءة