إخوته رفضوا إنقاذ أبيهم من الدَّين… لكنه وحده قال: «أنا أتحمّل» — وبعد عام حدث ما لم يتوقّعه أحد

موقع أيام نيوز

عينيه.
صار يتحدث أكثر عن الماضي لا بندم بل بسلام.
وكان يقول أحيانا
الراحة الحقيقية ليست في أن تعطى
بل في أن تعرف لمن تعطي.
بعد أشهر مرض مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن هناك خوف.
كنت بجانبه.
كما كنت دائما.
وفي إحدى الأمسيات أمسك يدي وقال
إن سألك أحد يوما ماذا ربحت من تلك السنة
قلت
سأقول أبي.
أغمض عينيه
واطمأن.
لم تكن ليلة الوداع معلنة.
لم يأت أحد ليقول هذه الأخيرة.
كانت ليلة عادية هادئة بلا إنذارات.
جلس أبي على كرسيه الخشبي قرب النافذة يراقب الضوء الأخير وهو ينسحب ببطء من السماء كأنه يعرف الطريق أكثر منا.
كنت إلى جواره أصلح له الوسادة وأسأله إن كان يريد شيئا.
هز رأسه نفيا ثم قال بصوت منخفض
اجلس فقط اجلس.
جلست.
ظل صامتا طويلا حتى ظننت أنه نام.
ثم قال فجأة
تعرف ما الذي كان يؤلمني أكثر من المړض
قلت
ماذا
أن أكتشف متأخرا أن الأولاد يختبرون لا بالكلام بل بالوقت.
لم أنطق.
قال
المال يعاد. البيوت تبنى.
لكن إن احتجت إنسانا في ضعفك ولم تجده فهذه خسارة لا تعوض.
تنفس بعمق ثم أكمل
كنت خائڤا لا من المۏت بل من أن أموت دون أن أعرف
هل كنت أبا صالحا
الټفت إلي
بعينين منهكتين.
أنت أجبتني.
شعرت بشيء يختنق في صدري.
أنا لم أفعل إلا ما كان يجب.
ابتسم.
وهنا الفرق
أغلب الناس يعرفون ما يجب
وقليلون يفعلونه.
في تلك الليلة نام أبي بسلام.
وفي الصباح لم يستيقظ.
لم يكن المشهد صاخبا.
لا صړاخ لا اڼهيار.
كان هادئا كأن الرجل أنهى ما عليه وارتاح.
في الچنازة حضر الجميع.
حتى من غابوا عاما كاملا.
الكل بكى لكن البكاء لم يكن واحدا.
بعضهم بكى الفقد.
وبعضهم بكى الندم.
وبعضهم بكى لأن الوقت انتهى.
وقفت عند القپر لا أقول شيئا.
لم أكن بحاجة للكلمات.
بعد الۏفاة بدأت التفاصيل العملية
الأوراق التسجيلات التوقيعات.
لكن شيئا واحدا لم يتغير
سلوكي.
استمررت في العمل.
استمررت في البساطة.
لم أبع البيت.
لم أستثمر الأرض فورا.
سألني أحد الأقارب
ألا تخاف أن تضيع الفرصة
قلت
الفرصة كانت أبي وقد أخذتها.
كبر أولادي وهم يعرفون جدهم من القصص لا من الصور.
كنت أقول لهم دائما
جدكم علمني أن الرجولة ليست أن تملك
بل أن تتحمل.
أما إخوتي
فالعلاقة لم تعد كما كانت لكنها لم تنقطع.
الزمن علمهم ما لم تعلمه الورقة.
وفي إحدى الليالي بعد سنوات وجدت نفسي أفتح درجا قديما في مكتب أبي.
في داخله ورقة صغيرة لم تكن موثقة ولا مختومة.
كانت مكتوبة بخطه
إن قرأت هذا فاعلم أنني لم أختبركم لأقسمكم
بل لأعرف من يبقى إن لم يبق شيء.
طويت الورقة وأعدتها مكانها.
عندها فقط فهمت الحقيقة كاملة
الديون لم تكن اختبارا للمال.
والوصية لم تكن مكافأة.
والبيت لم يكن الغاية.
الغاية
كانت أن يعرف إنسان في لحظة ضعفه
من هو ابنه حقا.

تم نسخ الرابط