لقد أمر الخادمة أن تعزف على البيانو أمام الجميع

موقع أيام نيوز

في الشرفة الجانبية سيدة ترتدي عقدا من اللؤلؤ رفعت يدها عن مسند المقعد بضع سنتيمترات ثم أبقتها معلقة كأنها تخاف أن تصدر من خاتمها طرقة تفسد إيقاع ذلك النفس.
الخشبة نفسها أحست باللحن. أرضية الباركيه استسلمت لارتعاشة صغيرة. في ركن يسار عامل إضاءة أطفأ دون توجيه دائرة صفراء زائدة كانت ټؤذي بياض المفاتيح. الإطار العاجي للمرايا المقابلة للبيانو عكس صورة جوليا لكن مشوشة قليلا كأن المرآة هي الأخرى خجلت من وضوحها المعتاد.
دفعت جوليا يدها اليمنى خطوة أبعد. هنا في هذه المسافة القصيرة بين مقام ومقام تقاس الشجاعة. رفعت نبرة اليد اليسرى قليلا ليس كثيرا فقط بقدر ما تحتاجه الأرض لئلا تسقط السماء فجأة على رؤوس الجالسين. وفي ارتقاء رشيق خرجت نغمة أولها حزن وآخرها عزاء. تلك النغمة نفسها مرت كطائر فزع فوق كتف جيراردو. كان واقفا ساقاه متباعدتان قليلا ذراعاه على صدره. ابتسامة الحديد التي بدأ بها المساء تخلخلت مثل برغي في كرسي قديم. لم يطرف. لكنه أحس وكان يكره أن يحس أن ما يحدث ليس عرضا جانبيا لمسلية فرضها على الجمهور بل محاكمة بطيئة أمام قاض بلا وجه.
التوت المعزوفة في منتصفها مثل ضفيرة فتاة أحسن ترتيبه. هنا جملتان مقربتان من بعضهما بينهما وقفة تكاد لا ترى مساحة لدمعة لا تخجل من نفسها. جوليا في تلك الوقفة لم تسمع سوى أنفاس القاعة أنفاس بنكهة العطور الثقيلة أنفاس باردة خرجت من صدور تعلمت الصمت وأنفاس حارة لعمال في الخلف يراقبون من بين الستائر دون أن يفهموا لماذا تريد صدورهم البكاء.
تحركت أصابعها كمن يربت على كتف صديق يعود من جنازة. تضاءل العالم إلى ثمانية وثمانين مفتاحا لكن داخل الثمانية والثمانين كان الكون بكامله.
في
اليمين كانت تلقي أسئلة صغيرة لماذا صار الفجر بعيدا كيف يمكن لفتاة أن تتعلم من التلميع طريقة للعزف لماذا لا يصدق الناس أن الموسيقى أحيانا لا تحتاج إلى معلم وفي اليسار كانت تجيب بإيماءات هادئة لأن الفجر يأتي لمن ينتظره أكثر لأن اليد التي تتعلم دقة الضغط على قطعة قماش تعرف تلقائيا دقة الضغط على وتر ولأن الألم أساتذة كثيرون في جسد واحد.
أحد الندل صبي لم يتجاوز السابعة عشرة كان يقف قرب الباب وقد التصقت يداه بصينيته كأنها عجينة. عيناه لمعتا بنور لم يعرفه من قبل. تذكر لحظة قديمة حين كان يطرق على حافة الطاولة ليقلد صوت مطر قصيرة وشعر بالخجل لأنه يومها سخر منه أخوه. الآن في حضور جوليا لم يعد الصوت لعبة. صار احتمالا.
في الصف الثالث رجل مسن هو نفسه الذي صفق أولا انحنى للأمام. قبض على عصاه بقوة وكأنه يشد سلما غير مرئي لتصعد عليه النغمة. كان يسمع بالإضافة إلى الموسيقى خفقانا لم يعرف أنه لا يزال موجودا في صدره. نظر إلى زوجته الراحلة في مكان ما على سقف القاعة وقال بلا صوت انظري ما زال في العالم شيء يوقظنا.
في تلك النقطة حيث يتهيأ اللحن لقمته المتواضعة حدثت لحظة خطړ. انزلقت سبابة جوليا نصف ملم أبعد مما ينبغي. انزلاق صغير كهفوة في صلاة. الزمن توقف. الثريات انتبهت. الأنفاس خبأت نفسها. لكن الإصبع استعادت موضعها في ربع لحظة كما تفعل فتاة توازن بين دلوين على عتبة بيت قديم. بدت الهفوة لمن أصغى جيدا بشړية تشبهنا أكدت أن العزف ليس آلة تعرف الدقة فقط بل إنسان يعرف الخطأ ويتجاوزه دون أن ينهار.
وهبت اليد اليسرى دعما أعمق نبرة أكثر تماسكا كأن
تم نسخ الرابط