لقد أمر الخادمة أن تعزف على البيانو أمام الجميع

موقع أيام نيوز

شخصا ما ربما الجدة وضع كفه تحت ظهر جوليا وقال كملي. واليمين وقد تعلمت من الخۏف صارت أكثر صدقا أقل تزيينا. انقشعت الطبقة الرقيقة من الخجل فبان معدن الصوت لا فضة ولا ذهب بل شيء أقرب إلى صبح يرى لأول مرة بعد ليل كثير.
نظرة دارت من زاوية القاعة إلى زاوية أخرى لم يعد لأحذية الرجال وطول سيقان النساء وألوان الكرفتات أي معنى. المعنى صار يمر وحده من بين الجموع كهواء يتفق الجميع على حاجته. حتى المرايا على الجدران لم تعد تعكس صورا بل صدى بصريا لصوت يتصاعد.
رفع قائد الأوركسترا رأسه عن النوتة التي لا علاقة لها بما يحدث وأحس بخجل لطيف. ما جدوى كل هذه العلامات الدقيقة إذا كانت فتاة تعلمت وحدها قادرة على أن تقول كل شيء بأقل من ربع سلم أشار بعينيه إلى العازفين أن يثبتوا. لا أحد يتحرك. لا أحد يتنحنح.
في الصف الأخير خلف عمود رخامي وقفت خادمة أخرى زميلة لجوليا تمسح يدها بمئزر خشن. شهقت عندما سمعت الجملة الثانية تعود كأغنية قديمة كانت أمها تغنيها وهي تعقد ضفائرها. أطبقت كفها على المئزر بقوة حتى صدر عنه خشخشة. لم يلتفت إليها أحد وهذا كان مريحا. الدموع التي خرجت من عينيها سقطت بصمت على الحافة السفلى للمئزر ثم شربها القماش. لم تفسد شيئا.
انخفض الضوء قليلا في الخلف. ليست خدعة مسرح مجرد سحابة عابرة خارج الزجاج الملون أعطت للقاعة ظلا أزرق. في هذا الظل بدت أصابع جوليا مثل طيور خۏفية تجد شجرتها أخيرا. تكرر الموضوع اللحني. هذه المرة صار أبطأ أصدق. ثقيلا بالقدر الذي تحتاجه الكلمات لتكون واضحة. هناك في الفجوة بين مفاتيح الفا والصول قالت جوليا ما لم تستطع قوله طول حياتها أنا هنا. لم يسمع أحد الكلمة حرفيا لكن جميع الحاضرين فهموها. لأن الموسيقى حين تصل إلى هذه النقطة تكون قد خلعت الترجمة ولبست الفطرة.
نقرة كعب نسائي حاولت أن تخرج ثم توقفت. صاحبته اعتذرت داخلا. حتى ضحكة كانت على وشك الولادة ماټت قبل أن تبصر النور. وأزيحت نفس طويل من صدر عازف البوق كأنه يسلم مكانه للبيانو.
في مقدمة القاعة حرارة الجسد الجماعية بدأت ترفع بخارا شديد الرهافة. قدمت الأرضية لمعة إضافية كأنها تقترح أن تصبح مرآة ثانية. وفي أعلى السقف حيث تلتقي الزخارف بمنحنى نهائي تجمع خيط من الغبار رقته الموسيقى حتى صار أقرب إلى ضباب رقيق. كل شيء كان يتعاطى مع كل شيء دون أن ېلمس شيئا. العالم صار تعليما على الرهافة.
اقتربت جوليا من الختام كما يقترب خطاط من نقطة آخر كلمة. لم تسرع. لم تبطئ. فقط استمعت إلى المسافة بين قلبها والوتر وقاستها بالمليمتر. جملة قصيرة هبطت مثل جناح على ماء ثم سكتت. بعدها مباشرة أظلمت في داخلها كل غرف الذكريات إلا غرفة واحدة صورة الجدة وهي تومئ برأسها في النوم وابتسامة خفيفة في زاوية فمها ويدها الذابلة تمسح على يد طفلة وصوتها لا تخافي. قالت جوليا للغرفة الباقية سمعوني. ثم أغلقت الباب بلطف.
الوتر الأخير أطلق. لم يكن طويلا. لم يكن استعراضيا. كان شبيها بمسامير دقيقة تثبت إطار نافذة في مكانه بعده يمكن للريح أن تمر دون أن تقلع شيئا. ارتج الهواء رجة صغيرة ثم سكن. سمع الجميع سكونا يختلف عن السكون الذي سبق العزف هذا سكون جديد سكون شيء اكتمل.
هنا بالضبط حدث ذلك الصمت الغريب الذي لا يحسبه أحد من ثواني الساعة.
وقف الزمن
كأنه يلتقط
تم نسخ الرابط