لقد أمر الخادمة أن تعزف على البيانو أمام الجميع

موقع أيام نيوز

من قبل كيف يمكن لفتاة تعرف كيف تلمع أن تجعل القاعة بأكملها تلمع من الداخل. رفعت يدها قليلا لمحت لجوليا بإشارة صغيرة يعرفها الاثنان أنا هنا. لم تلتقطها إلا جوليا فابتسمت ابتسامة رفيعة ليست للقاعة بل للباب الصغير الذي خرجت منه كل أيامها.
خفت التصفيق قليلا ثم عاد كأن موجة ثانية قررت أن تلمس الشاطئ. جيراردو حاول أن يتقدم خطوة. صرير جلده مع الحذاء بدا عاليا على غير عادة. كفه مسحت طرف سترته مرتين. أراد أن يقول شيئا فكرتان تصارعتا الأولى أن يعلن أن العرض كان فكرته وأنه اكتشف موهبتها كڈب يعرف حدوده والثانية أن يصمت ويخرج. لم يختر أيا منهما. بقي معلقا بينهما كستارة نصفها مفتوح ونصفها مغلق فصار بلا وظيفة.
عازف الكمان الذي قال كلمته أولا نظر إلى مفاتيح البيانو الطويلة واستقام. فهم هو الذي تمرن سنوات على تقنيات النغمة النقية والانتقال الصافي أن هناك ما لا يعلم. شيء يلتقط حين ېخاف المرء ثم يستمر رغم الخۏف. انحنى من جديد هذه المرة ببطء أكثر وجعل القوس يلامس أطراف أصابعه كما لو كان يمس أثرا مقدسا.
هنا في هذا التراكم الهادئ للدهشة لاحت ابتسامة في عيني جوليا لا على فمها. ابتسامة من داخل. لم ترد أن تسقط النشوة على المشهد فتفسده. لم ترد أن تحول اللحظة إلى فاصل استعراضي. تركت الأمر كما هو قاعة تنصت امرأة تجلس عند البيانو نغمة انتهت ولم تنته رجل قوي عاجز عن إصدار الأمر الأخير.
مضت ثوان أخرى من صمت حي. لو قدر لهذا الصمت أن يقاس لكان بعمق الأنفاس لا بطولها. أحدهم حرك كرسيه نصف سنتمتر اعتذر بعينه لخمسة وجوه فابتسمت خمسة وجوه.
في البعيد ساعة
الجدار الكبيرة نبض عقربها مرة واحدة وامتزج صوتها بما تبقى من الوتر الأخير حتى صار صديقا له لا عدوا.
رفعت جوليا يدها اليمنى عن المفاتيح أولا ثم اليسرى. لمس طرف إبهامها الخشب اللامع فترك أثرا دقيقا سرعان ما تبخر. أراحت راحتيها على حجرها. لم تنهض بعد. كأن الجلوس هو نفسه جزء من المعزوفة. جزء يتعلم فيه المستمعون كيف يحتفظون بما سمعوا دون أن يسرفوا في الكلمات.
ثم قامت.
كان قيامها بطيئا محسوبا لا يعرف العجلة. وقفت في مواجهة الجمهور لا هي منحنية انحناءة التابع ولا مستقيمة استقامة المتحدي. وقفة من يقول أنا لا أكثر من أنني أنا. انسدلت خصلة قصيرة على جبينها أعادتها بإصبع واحد إلى ما وراء الأذن. هذا التفصيل الصغير رأته امرأة في الصف الرابع وتنفست كأنها رأت ابنتها تضع خصلة شعر وراء أذنها قبل أول يوم مدرسة.
لم تتكلم جوليا. لم تقل شكرا. كان في القاعة من يقوم بهذه الوظيفة بالنيابة عن الجميع التصفيق الثالث ثم الرابع ثم نداءات متناثرة برافو. مرة أخرى. اسمها لا تنسوا اسمها. التفتت جوليا نصف التفاتة إلى البيانو كما لو كانت تستشير صديقا هل نعيد البيانو في سكوت الأشياء حين ترضى بدا موافقا.
لم تجلس هذه المرة. لم تعزف. فقط وضعت كفها برفق على الغطاء الأسود كلمسة وداع مؤقت. أحست بالحرارة التي تركها جسدها من أول العزف إلى آخره حرارة ضئيلة لكنها حقيقية. رفعت الكف. سحبت نفسا طويلا. وعادت تنظر إلى القاعة.
في تلك اللحظة تثبت المشهد جوليا واقفة البيانو خلفها كظل وفي وجمهور لا يريد أن ينتهي. لو دخل غريب الآن لظن أن هذا ما خلقت القاعات لأجله أن يصدق الناس ولو مرة أن موهبة إنسان واحد يمكن أن تعيد
ترتيب طبقات المجتمع خمس دقائق كاملة دون قانون ولا شرطة ولا خطب.
على الحافة اليسرى للخشبة وضعت مزهرية صغيرة من زهور بيضاء لا اسم لها في ذاكرة جوليا. نفذ إليها شيء من هواء القاعة فمالت زهرتان قليلا ناحية البيانو. لا أحد لاحظ. ربما البيانو لاحظ. وربما وهذا أقرب لاحظت جوليا دون أن تنظر فابتسمت بالعينين مرة أخرى ابتسامة تحفظ كخاتمة غير منطوقة لهذا المساء.
صړخة يكفي! التي أطلقها جيراردو قبل قليل تاهت وانطفأت مثل شمعة نفخ فيها من بعيد. صمت جيراردو وانشغل الجمهور عن صاحبه. عاد كل واحد إلى نفسه لكن ليس كما كان حين دخل. كان لديهم جميعا الآن شيء مشترك ذكرى نغمة سارت فيهم ولم تطلب إذنا. وجلست جوليا ثانية على المقعد فقط لتضع يدها للحظة فوق المفاتيح لا لتصدر صوتا بل لتستقر روحها حيث ولدت قبل دقائق بين الأبيض والأسود.
هكذا ظلت القاعة لأطول مما يحسبون تتنفس على إيقاع الصمت الذي تخلفه موسيقى أحسنت فيما كان الغبار في أعلى السقف يدور ببطء مثل مجرة صغيرة راضية وقلوب الناس ترسل إلى البيانو تحية لا تحتاج إلى كلمات.

تم نسخ الرابط