قصة الأعرابي و النملة

موقع أيام نيوز

جلس أعرابي على حافة الظهيرة في بطن فلاة عريضة تماوجت رمالها كأمواج صفراء ولفحته ريح حارة كأنها أنفاس تنور موقد. كان قد قطع من الدرب ما ينهك الراحلة والرجل فمال بصره إلى شجرة وحيدة تقف في منتصف القفر كعلامة أمان في بحر العزلة. كلما اقترب اتسع ظلها في الأرض كجناح أم تبسطه لولد ضل طريقه. أناخ راحلته وربطها بحبل خشن في عرق من عروق الشجرة ثم أسند ظهره إلى الجذع وغض جفنه عن شمس متقدة لا ترحم. كان الصمت ثقيلا لا يخرقه سوى خشخشة أوراق شاحبة وبقايا زقزقة بعيدة لطائر وحيد يبحث عن رفيق وهمهمة غير مفهومة تنبع من جوار قدميه كأن الأرض تتكلم بلسان خفي.
حنى رأسه فإذا بعالم آخر يتفتق تحت عينيه نملة صغيرة سوداء لا تكاد ترى لولا لمعان هيكلها في بقع الضوء تدور حول جناح جرادة يابس ملقى عند عثرة من الحصى. كانت تقبل عليه ثم تدفع تشد ثم تتراجع تجر ثم تعود تستريح لحظة وكأنها تحادث نفسها لا بد أن ينقل. يشهد الأعرابي أن جناح الجرادة أثقل من جهدها لكنه يشهد أيضا أن في النملة سعة همة لا يملكها كثير من الآدميين. وابتسم وهو يرى كائنا بهذا القدر الضئيل يخاصم المستحيل. ثم إن النملة توقفت فجأة رفعت قرنيها كمن حدد القبلة وأسرعت نحو جهة لا يراها الرجل ولكن قلبه حدثه أن هناك قرية للنمل في المكان مدينة كاملة تحت التربة تضج بالعمل والنظام.
لم تمر إلا دقائق حتى رأى الأعرابي فوجا يخرج كالسيل من فج في الأرض نمل كثير يلمع كحب من ليل صقيل صفوف تتماسك وأفواج تتبع أفواجا كأن الأمر صدر من قيادة عليا لا ترى. تقدم الجمع نحو المكان الذي فيه الجناح وتوزعوا بخطة لا تخطئ من يستكشف ومن يدفع ومن يرفع ومن يراقب. وكان في نفس الأعرابي طفل يتململ يختبر العالم بالملعقة قبل أن يأكل. مد أصبعه بحذر وزحزح الجناح قليلا عن موضعه ثم خبأه خلف حصاة صغيرة. أراد أن يرى ما تصنعه هذه الأمة الدقيقة إذا أخلفت الأشياء موعدها هل تتراجع هل تتهم رفيقتها هل تنتظر أمرا جديدا رأى النمل يتكدس في الموضع وينتشر في دوائر محكمة يفتش في الشعيرات والرمال وأخاديد التربة وحواشي الحصى حتى إذا طال بهم الطلب وبلغ الإجهاد حده بدأوا يعودون لا هرج ولا مرج صفا بعد صف وكأنهم يعترفون أن الخبر الذي جاءت به صاحبتهم لم يدركوه بعد أو أن العلامة التبست.
بقيت النملة الأولى وحدها تقطع المساحة بين الحصاة والرمل كأن الأرض أضيق من همتها. ظلت تعود وتروح تلامس المكان الذي تركت فيه العلامة كإنسان يرجع إلى باب بيته مرارا لينفي عنه الشك. أحس الأعرابي بشيء رقيق يتحرك
 

تم نسخ الرابط