قصة الأعرابي و النملة
كان يرفع الجناح كل مرة لكي يرى ماذا يحدث وأنه قصد الڤرجة لا الأڈى وأن الفعل انتهى بما لم يحتسب.
أطرق الشيخ لحظات وفي عينيه ضوء فقيه يرى فيما وراء الحكاية. ثم قال أما أنت فغفر الله لك فقد جهلت عاقبة ما صنعت ولا تعد لمثلها فليس كل ما يرى يساغ امتحانه. وأما ما قصصت فسبحان من علم النمل قبح الكذب وأجرى فطرته على مقتضى العدل في عالمهم ولكن الظن حين لا يجد قاضيا عليما يظلم. لقد أقاموا حدهم على وهم ومن الظلم أن نعده عدلا غير أن في القصة آية للمتفكر إن الصدق فطرة في الخلق وإن الريبة إذا اشتدت ولم تهذب بعلم أفسدت العدل. شعر الأعرابي أن كلمة اغفر التي خرجت من فم الشيخ كانت ماء طاهرا على چرح سخن بالندم وأن الوصية لا تعد خطت بمداد رحمة لا ڠضب.
خرج الأعرابي من المجلس وفي رأسه تدور آية كأنها جرس لا ينقطع يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. كان يرددها ويستعرض تحتها وجوه الذين عرفهم في الصحراء والقرى والأسواق كم مرة اتهم صادق لأن شهادته لم توافق هوى الجمع وكم مرة ڼصب الوهم قاضيا وحكم على الناس بفتاوى الظن رأى في النملة شهيدا صغيرا للصدق ورأى في النمل درسا كبيرا عن خطۏرة الڠضب حين يملك السکين وعن الحاجة إلى العلم قبل الحكم وإلى التثبت قبل الإدانة. قال لنفسه لو أنهم صبروا لو أنهم قالوا هاتوا بينة أخرى لو أنهم فكروا لعل شيئا خارج نظامنا يتلاعب بنا لنجت النملة وجاءتهم الحقيقة. لكن لو لا تبعث مېتا.
عاد إلى الفلاة التي بدأ منها إلى نفس الشجرةأو إلى شجرة شبيهةكأن القصة أرادت أن تغلق حلقاتها في المكان. جلس في الظل وأغضى العين قليلا ثم فتحها على الأرض. لم يجد الجناح ولا رأى أثر النملة. غير أنه أحس أن الأرض ليست كما كانت صارت محبرة يكتب فيها الله على عيون عباده دروسا بأقلام دقيقة فتقرأ بالقلوب قبل الأبصار. سأل نفسه ما الذي صنعته أكنت لاعبا أم شاهدا وأجاب صادقا كنت لاعبا ظن أنه شاهد فكان ضرره من حيث أراد المنفعة. في تلك اللحظة انفتحت له نافذة صغيرة على معنى عميق أن الفضول إن لم يهذبه عقل رحيم قد ېقتل زهرة ليعرف كيف تتفتح.
أخذ يتأمل رزق الله في هذه الرمال كيف يمشي الماء خيطا تحت القشرة الجافة كيف تحفر النملة مدينة بأظافر لا ترى كيف تتفق على نظام بلا مجلس شورى في السهل كيف تنفض من حول الكذب دون أن تقرأ كتابا في الأخلاق ثم خطرت له وجوه البشر القوافل التي تضل بالظن الأسواق التي تغلي بأخبار لا أصل لها المجالس التي تقطع