قصة الأعرابي و النملة
في صدره لها شيء يشبه الألفة مع مخلوق لم يكلمه قط. أعاد الجناح إلى موضعه الأول وأرجع الحصى كما كانت ثم تنحى قليلا لئلا يفسد المشهد بظله. ولم تلبث النملة أن عادت وما إن أبصرت الجناح حتى بدا على جسدها الصغير حركة تشبه الطرب خفت وتوهجت في عيني الأعرابي كجمرة لها نور. أمسكت بالجناح من طرفه تجره فارتد بها فتركته ثم عادت إلى العلامة التي صنعتها فمرت حولها دورة أو دورتين كمن يقسم لغيره أن ما رآه كان حقا ثم انطلقت ثانية في ذات الطريق أسرع مما مضى وكأنها تحمل حجة لا تدحض.
غابت عن عينه بضع دقائق ثم خرج فوج آخر من النمل أقل عددا من ذي قبل غير أنه ليس بالقليل. توقفوا عند أطراف الساحة يتشممون الأرض بأفواه دقيقة كأنها أجهزة استشعار لا تخطئ أثرا. وفي هذه اللحظة عاد الطفل في صدر الرجل فتناول الجناح ورفعه ثانية ثم دسه تحت نتوء من جذع الشجرة. اقترب الجمع داروا ارتدوا تلمسوا فلم يجدوا شيئا. كانت النملة صاحبة الدعوة تدور حول النقطة ذاتها بعناد صامت ترفع قرنيها وتخفضهما تحفر بأرجلها وكأنها تقول هنا هنا! لكن العيون الصغيرة رأت أرضا بلا جناح وحجة بلا شهود. تراجع الفوج كما جاء وبقيت وحدها توالي قفزها القصير وتطيل الوقوف وإصرارها يشبه دعاء ملهوف يبطئ عنه الڤرج ولا يفارق باب مولاه.
أعاد الأعرابي الجناح للمرة الثالثة وفي قلبه رغبة في إنصاف هذا المخلوق. ما أكرم الصدق حين تؤازره العناية! أقبلت النملة فلما رأته لم ترتكب حماقة السابق بل اقتطعت منه شقفة يسيرة بحذر العارف بتقدير القوى وشدتها إلى ورائها وانطلقت بها راكضة في شعاع مستقيم لا يحيد. قال الأعرابي في نفسه لقد تعلمت من مشوارين أن بعض الحقائق تحمل جزءا جزءا وأن شهادة القطعة قد تقنع المترددين أكثر من الوعد بالكل. أبطأت هذه المرة في العودة وربما أنها احتاجت لشرح طويل في مجلس قومها كيف أن الجناح يظهر ويختفي وكيف أنها اقتطعت منه هذه الشهادة وكيف أن المكان الذي أشارت إليه هو عين المكان. ثم خرجت ومعها سبع نملات فحسب كأن المجلس أقر لها بالمحاولة ومنحها فريقا صغيرا لا هو مهمل ولا هو مستنفر بكامل العدة.
كان في الأعرابي فضول كأنه زاد مسافر لا ينفد فاختبر المشهد مرة أخيرة رفع الجناح قبل وصولهم بخلسة سريعة ويده ترتجف من خشية أن يفسد شيئا مما سبق. دنت النملة الأولى إلى العلامة فوجدت الفراغ مكان اليقين. ارتبك جهدها لكنها لم تهن صارت تحوم تتفحص بطرف من جناحها الذي خبأته في فمها وكأنها تقول هذا شاهد أثق به. أما الرفيقات السبع فوقفن على أعتاب المكان دائرة من ظلال سوداء حول نقطة واحدة. تتبادل