قصة الأعرابي و النملة
الأجساد الصغيرة رسائل لا يسمعها إلا من فتح له باب إلى هذا العالم. بدأت النظرات تشتد والدوائر تضيق وصوت الاتهامولو بلا صوتيعصف في الهواء وعدتنا ثم خذلتنا أشرت فخابت إشارتك قلت فغاب قولك شاهده. حاولت أن تبين بطريقتها أن الحق كان هنا وأنه ليس خطأها وأن شيئا من خارج نظامهم يتلاعب بهم لكن لغة الشرح ضاقت ومقام الصبر نفد.
أحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم والدائرة تقلص خطوة خطوة ومنافذ النجاة تغلق مثل أبواب مدينة ساعة الحصار. أرادت أن تنفذ من ثغرة في الرمل فاستحال الرمل جدارا. قفزت قفزة قصيرة فارتدت إلى المقصلة الصغيرة التي صارت حولها. وفي لحظة واحدة كوميض برق في صيف قائظ انقض الجمع فقطعوها لا صړاخ في مملكة الصمت لكن الفعل في قسوته أبلغ من ألف صړخة. رأى الأعرابي رأسا صغيرا يفارق جسدا أصغر وأطرافا تتكسر كأقلام يابسة وبطنا يبقر كأنهم يخرجون منه جرثومة كڈب يطهرون بها القبيلة. أطلق الرجل شهقة مخڼوقة وسبق لسانه قلبه لا حول ولا قوة إلا بالله! كان يظن الكذب عارا ولكنه ما ظن يوما أن في عالم النمل سياطا تقيم الحد على الظن الظالم.
تقهقر الجمع قليلا بعد الفعل وكأن ريحا باردة مرت على ظهورهم تحمل سؤالا ثقيلا أأنصفتم أم ظلمتم حينها قڈف الأعرابي بالجناح إلى وسط الساحة سقط على الرمل سقوط دليل على طاولة قاض متردد. توقفت الأجساد الصغيرة عن الحركة. اتسعت الدائرة. كانت لحظات من فزع شفاف لا يرى فزع الحقيقة حين تجيء متأخرة. تقدموا يتلمسون أطراف الجناح يتحسسون الحواف والخطوط يتناقلونه بينهم وكل يقول بلغة حواسه لقد كان قولها صدقا. التفوا حول جسد صاحبتهم التي لم تعد تسمع اعتذارا ولا تسعد بإنصاف. ازدحم الأسى في المشهد كأن المكان غمر بماء مر. صاروا يتحركون ببطء لا لعمل ولا لبحث بل لحزن يحاول أن يكون جنازة في عالم لا يعرف الجنازات. ووقف الأعرابي على مسافة كمن شهد على نفسه قبل أن يشهد على غيره وفي قلبه يقين صارخ أن يده التي رفعت الجناح ثلاث مرات كانت سهما طائشا أصاب قلب النملة وصار سببا في نهايتها.
طوى الرجل متاعه على عجل وشد حبل راحلته وسار نحو المدينة التي يعرف فيها العلماء وفي صدره سؤال يشبه غمامة ثقيلة ما معنى عدالة المخلوقات إذا خلطها إنسان وكيف يمتحن فضول البشر نظم الأصغر منهم فيفسد حكمة الابتلاء حتى إذا انتهى إلى مجلس شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله سلم وجلس وأفرغ القصة من صدره كما يفرغ المسافر ماء القربة وقد كاد يهلك من الظمأ. لم يترك فيها شاردة ولا واردة وصف النملة الأولى وهمتها وذكر الفوج الأول وإخفاقه والثاني وتردده والثالث وقسوته واعترف بين الفصول أنه